الأحد، 12 يوليو، 2009

قطار الغرام

الدنيا مرسى، و طال المقام او قصر، لا بد لنا من الرحيل . لطلما حلمت بكتابت مذكرات حياتي و لكن لم أتجرأ لأن فيها من الفضائح و
الأسرار ما لا يمكن لأهلي و أصحابي استيعابه، و ها أنا أطل من هذه النافذه الواسعة، الايترنت حيث لا أب يراقبني و لا صاحب ينتقدني، فقط قراء غرباء و لكن على الرغم من المسافات التي تفصلنا أو صلة الرحم أو الصداقة التي لا تربطنا، ربطتنا مأساة حياتنا، نحن بلا استثناء، نحن لا أعز اصدقاءنا و لا أحب اقرباءنا.كما لم نختر البطن الذي حملنا تسعة أشهر، كما لم نختر الاسم الذي ننادى به، لم نختر ان نكون ما نحن فيه اليوم. لم نختر ان يدق القلب لمن يدق و لم نختر أن ترتعش اليد لرؤيت من نرى.


أبدأ من النهاية، أخذت القطار نهاية الأسبوع الماضي للرجوع الى البيت بعد اسبوع من العمل في باريس، كان القطار مزدحما كعادته في مثل هذه الاوقات حيث يعود كل العاملين الى منازلهم في ضواحي باريس او المدن القريبة. لم اجد مكانا اجلس فيه، فخيرت البقاء واقفا في انتظار خلو مقعد. مرت نصف ساعة و اذا به يقترب مني، بجمال خلاب و نظرات ملائكية، ظننته ذاهبا الى المرحاض او لاقتناء شيء من حقيبته فاذا به يكلمني، ظننتني سيغمى علي و لكنني تمالكت نفسي حتى افهم ما يقول، فانا عندما ارتعش و يرتجف قلبي كالعصفوور الجريح، افقد ملكة الكلام و يُعْقَد لساني فلا ادري ما اقول و لا اعقل ما يُقال لي. طلب مني بأدب و لباقة الجلوس بجنبه لان المقعد كان فارغا و لكني لم أُلاحظه. هرعت للجلوس و إذا بهم ثلاثة، ثلاثة ذكور فرنسيين يترافقون في سفرهم هذا. لم أصدق نفسي، كانت العيون تتكلم لا الشفاه، بخبرتي و ذكائي، فهمت كل شيء، اثنان منهما حبيبان، نعم، قرأتُ ذلك في عينيهما، في نبرات صوتيهما، قرأتُ ذلك في طريقة كلامهما و حركاتهما. كنت بقربهما، اسمع ما يقولان و يشاركهما ثالثهما. كنت أبتسم لحديثهم، و أحاول جذب انتباههم، و لكن هيهات. لم أجد حلاّ، تعبت من التصنع و إذا بي أجد حيلة غبيّة مخزية، لا ادري ما دهاني، كل هذا لِأجل نظرة. أخرجت ورقة و قلما و أردت أن أجذب انتباههم بكتابة بعض الكلمات العربية فلعلهم يطرحون علي أسئلة عن الكتابة أو عني أنا...
كتبت ما يلي:
"
و كأني بنفسي تحدثني بشيء، و كأنّ الوجوه فقدت ملامحها و صارت ثلاثة ملامح تراود خواطري و لا تريد مفارقتها، أهُم من أريدهم أن يكانوا، أم هم من أريدهم أن أكون؟
كل حركاتهم، همساتهم و ضحكاتهم تُشير إلى ما أحلم به، أين الرجولة و قد صرتُ امرأة بلهاء يتصبب عرقها و تصطنع الكتابة مع أن الخط يرتعش كأن لم ألمس قلما من قبل، أريدهم فقط أن ينظروا ليدي المرتعشتين، فقط لخاتمي عساهم يلحظون ما لحظت فيهم.
كلنا ترددات تنتقل من أحد لآخر، كلنا مشاعر و حركات لا ينافسنا فيها أحد، كلنا أنوثة مغرية و رجولة ساخنة و سخافة لا مثيل لها. ما أسخف عقلي الذي يراودني بأنّ حسني و جمالي قد يخطف أنظارهم، أنّ جسمي المفتولة عظلاته قد يستهويهم و أنّ نظراتي الخطفة قد تلفتهم.
يا ليت قلبي يقف للحظة عن تسوّل المشاعر، يا ليت عيني تقفان للحظة عن استراق النظرات. و لكنهم ما أعرف عنهم، هم مثلي، و هيهات أن يستدير أحدهم ليراني فانا من يشاركهم حوارهم ببسماتي السخيفة و نظراتي المفضوحة.

آه، السياسة، ما ألعنها، ما أحلاها عندما تخرج من أفواههم، ما ألاها عندما تختلط بالخبز و البطاطس، مع بعض ملاعق من الزبادي الفرنسي اللذيذ.
صارت العيون زيتونا و الافواه اسهما من اللحم المشوي، صار ريقي يسيل بغزارة لرؤية الوجوه النيرة و الاكلات اللذيذة و انا جائع ضائع...
آه ، لا أحبُ سياستهم و لكن تشفع له بسمته التي بادلني إياها. و لكن للسياسة حدود و لصبري حدود، لماذا لم يسمعوا لهمساتي و لم يروا ضحكاتي، هم مثلي، لحية، شعر في الصدر، صوت غليظ، هل انا بشعة صورتي حتى يفضّلوا علي قادتهم السياسيين رجالا و نساء؟ ...
جف حبري، و فقدتُ أملي ...
"
في نهاية المطاف، توقفت عن الافعال الصبيانية، و ما أحبط عزيمتي هو أنهم لم يرمقوني و لو للحظة بطرفة عين، بل أخذ كل واحد منهم بقراءة مجلة او كتاب...


يتبع ...

ليست هناك تعليقات: